الشيخ محمد هادي معرفة
164
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ومعنى ذلك أنّ الفرائض والسنن والأحكام إنّما جاءت في القرآن بصورة إجمال في أصل تشريعاتها ، أمّا التفصيل والبيان فقد جاء في السنّة في تفاصيل الشريعة ، التي بيّنها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته الكريمة . فكانت السنّة إلى جنب القرآن تفسيرا لمواضع إجماله ، وشارحة لمواضع إبهامه . قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : « . . . فاستنطقوا القرآن بسنّتي . . . » « 1 » روى القرطبيّ بالإسناد إلى عمران بن حُصين ، أنّه قال لرجل - كان يزعم كفاية الكتاب عن السنّه - : إنّك رجل أحمق ، أتجد الظُهر في كتاب اللّه أربعا لا يُجهر فيها بالقراءة ؟ ثمّ عدّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا . ثمّ قال : أتجد هذا في كتاب اللّه مفسَّرا ؟ إنّ كتاب اللّه تعالى أبهم هذا ، وإنّ السنّة تفسّر هذا . وعن حسّان بن عطيّة قال : كان الوحي ينزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ويحضره جبرئيل بالسنّة التي تفسّر ذلك . وعن مكحول قال : « القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن » ، وقال يحيى بن أبي كثير : « السنّة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنّة » ، قال الفضل بن زياد : سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن هذا الحديث الذي روي أنّ « السنّة قاضية على الكتاب » - فقال : ما أجسر على هذا أن أقوله ، ولكنّي أقول : إنّ السنّة تفسّر الكتاب وتبيّنه « 2 » . * * * وبعد ، فإنّ تبيين مجملات القرآن ، من تفاصيل واردة في السنّة ، يمكن على وجوه : الأوّل : ما ورد في القرآن بصورة تشريعات كلّيّة ، لا تفصيل فيها ولا تبيين عن شرائطها وأحكامها ، فهذا يجب طلب تفاصيلها من السنّة ، في أقوال الرسول وأفعاله وتقاريره ، كما في قوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » « 3 » ، وقوله : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » « 4 » وما شابه ، من تكاليف عباديّة جاء تشريعها في القرآن بهذا الوجه الكلّيّ . فلا بدّ لمعرفة أعداد الصلاة وركعاتها وأفعالها وأذكارها وسائر شروطها
--> ( 1 ) - . مكاتيب الرسول ، ج 1 ، ص 501 . ( 2 ) - . مقدّمة تفسير القرطبيّ ، ج 1 ، ص 39 . ( 3 ) - . البقرة 43 : 2 . ( 4 ) - . آل عمران 97 : 3 .